السيد محمد تقي المدرسي

53

من هدى القرآن

وربما نصفهم من إبراهيم وهم أولاد إسماعيل ، وبنو إسرائيل من ولده إسحاق . فهو عليه السلام ليس أبا الأنبياء وحسب إنما هو أب لشعبين عظيمين أيضا ، ثم يؤكد ربنا إلى جانب ذكره البركة التي أسبغها على إبراهيم وولده إسحاق أن ذلك ليس مبررا لمن أراد من ولدهما أن يضفي على نفسه صبغة القداسة ، فيدَّعي الأفضلية لا لشيء إلا أنه ينسل منهما ، لأن قيمة الإنسان الحقيقية تنبعث من عمله هو لا من حسبه ونسبه . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ لأنه أحسن . وليس لأنه ينتمي للمحسنين ، كما يوجد من بينهم المنحرفون الظالمون . وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ . [ 114 - 115 ] ويضرب لنا القرآن مثلا من واقع المحسنين من هذه الذرية المباركة ، فيقول : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ بالنبوة وهما من ذرية إسحاق . وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وإذا كان الغرق صورة من الكرب لأنه من غضب الله ، فإن ظلم فرعون وجنوده صورة أخرى لا تقل فظاعة عنها . وَنَصَرْنَاهُمْ . [ 116 ] إضافة إلى النجاة من الكرب على فرعون وجنوده . فَكَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ بلى ؛ قد يتسلط الطغاة على البلاد ، ويفشل المؤمنون في كثير من المحاولات للإطاحة بهم ، ويقدمون التضحيات ، ولكن العاقبة تكون لهم ، وإذا كانت للباطل جولة فإن للحق دولة . ومهما تكن الظروف معاكسة ، والظاهر يوحي بغلبة الباطل إلا إن الحق أهله هم المنصورون . [ 117 ] ولكي يحافظ موسى وهارون على مكتسبات النصر ، ويديروا شؤون بني إسرائيل أنزل الله عليهما التوراة منهجا للحياة . وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ومن صفات الرسالات الإلهية أنها واضحة ، كالقرآن الذي يصفه الله بقوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 17 ] . وهذه الفكرة تنسف أساس فكرتين : الأولى : الذين اتخذوا منهج التكلف لآيات الله ، بتفسيرها تفسيرات معقدة . واشترطوا في فهمه ما لم يُرشد له وحي أو سنة ، ليجعلوا القرآن ممتنعاً عن الفهم من قبل الناس ، كأن الرَّب تعالى لم يجعله ميسراً للفهم . الثانية : الذين نسبوا النقص إلى القرآن الحكيم ، فجعلوا فهمه محتاجاً لمناهج دخيلة عليه وعلى دين الله تعالى ، بأن اشترط بعضهم قديماً ثقافة الإغريق ، واشترط بعضهم حديثاً الثقافات البشرية المعاصرة . والحق أن الرَّب تعالى يسّرهُ لفهم الناس ، ولا يحتاجون إلا لعقولهم الفطرية ومعرفة بلغة القرآن . نعم الفهم العميق كما في سائر العلوم موكول للعلماء ، وفي القرآن هم العلماء ذوو الدراية بمعارف أهل بيت النبوة عليه السلام .